كريم نجيب الأغر
231
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
--> - والدليل أنها تشير إلى غير العاقل أقوال علماء اللغة كما رأينا سابقا . أما الدليل على أنها تشير إلى العاقل وغير العاقل فهو الآيات القرآنية نفسها كما في : ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ المائدة : 97 ] . ف « ما » في السماوات والأرض عاقل وغير عاقل . وأما الدليل أنها لا تستعمل للعاقل فهو أن كلمة « من » تستعمل في هذه الحالة بدلا عنها . وبالفعل فإن الحمل يكون في البداية غير عاقل ، وذلك قبل نفخ الروح فيه . ومن ثمّ يصبح عاقلا بعد نفخ الروح فيه ، فيناسب بذلك أن تأتي « ما » في الآية : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ لقمان : 34 ] . أما بالنسبة للآية : اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [ الرعد : 8 ] ، ففي حالة كون « ما » اسما موصولا أصبح معناها : اللّه يعلم ما تحمل كل أنثى ، وما يغيض في الأرحام من حمل ، وما يزداد منه . في هذه الحالة نفهم أن الحمل في مرحلة الغيض يكون غير عاقل ، لأن الروح لم تنفخ فيه ، أما في مرحلة الازدياد فيكون في بداية الأمر غير عاقل ، ومن ثمّ يصبح عاقلا ، وذلك أن مرحلة الازدياد تبدأ من اليوم الثالث أو الرابع عشر ، والجنين لم ينفخ فيه الروح بعد ، ولا ينفخ فيه الروح إلا بعد اليوم الأربعين . وطيلة هذه الفترة - التي تمتد من اليوم الثالث عشر إلى اليوم الأربعين - لا ينفخ في الجنين روح ، وبالتالي فإن هذه الفترة لا تحتوي على جنين عاقل . على خلاف مرحلة الغيض التي لا يمكن أن تحتوي إلا الحمل « غير العاقل » ، لذلك غلّبت هذه الصيغة على صيغة العاقل ، حيث إن دلالة « غير العاقل » بصيغة « ما » تستعمل للدلالة على العاقل وغير العاقل في آن واحد ، حتى تشمل المرحلتين . أضف إلى ذلك أن « ما » تشير إلى الحمل المجهول ماهيته وحقيقته . والذي يفصّل أمر الآية : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ لقمان : 34 ] هو الآية : اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [ الرعد : 8 ] . فصياغة هذه الآية تلقي الضوء على أحوال الحمل في مختلف مراحله المتعدّدة وذلك من خلال الأفعال التي جاء ذكرها فيها . فالحمل يكون مجهول الماهية في بادئ الأمر جد الجهل وفقا لمعنى كلمة « غاض » : اختفى ، نقص . . . التي وردت في الآية . وهذا الجهل في الماهية يكون مطلقا بالنسبة للبشر باعتبار الحديث الشريف : « مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا اللّه : لا يعلم ما في غد إلا اللّه ، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا اللّه ، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا اللّه ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا اللّه » [ أخرجه البخاري ح 34 ] . فالكلمة الاستثنائية « إلا » قطعت كل معرفة وقصرتها على اللّه تعالى . ففي هذه النصوص الشرعية جاء استعمال « ما » التي تدل على المبهم ، وجاء فعل « غاض » الذي يشير إلى الاختفاء ، ووردت الكلمة الاستثنائية « إلا » لكي يصبح الأمر واضحا أن ماهية الحمل لا يعلمها إلا اللّه تعالى . وبالفعل فالحمل يكون في بدايته عبارة عن نطفة جد صغيرة لا تلبث أن تنقسم إلى عدّة خلايا لا يعلم أحد من العلماء إلى الآن إلى ما ستتمايز ، وما ذا ستخلّق من أعضاء . وهذه الوظيفة في أداء معنى غاية الإبهام لا تعبّر عنه إلا « ما » . -